سيد محمد طنطاوي
193
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
رياء أو تفاخر ، أو غير ذلك مما يتنافى مع إخلاص الخضوع للَّه - تعالى - وحده . قال الشوكاني : وفي الآية دليل على وجوب النية ، وإخلاصها من الشوائب لأن الإخلاص من الأمور القلبية التي لا تكون إلا بأعمال القلب ، وقد جاءت السنة الصحيحة أن ملاك الأمر في الأقوال والأفعال النية ، كما في حديث : « إنما الأعمال بالنيات » وحديث : « لا قول ولا عمل إلا بنية » « 1 » . وجملة * ( أَلا لِلَّه الدِّينُ الْخالِصُ ) * مؤكدة ومقررة لمضمون ما قبلها من وجوب إفراد العبادة والطاعة للَّه - تعالى - : وزادها تأكيدا وتقريرا لما قبلها تصديرها بأداة الاستفتاح * ( أَلا ) * واشتمالها على أسلوب القصر . أي : ألا إن للَّه - تعالى - وحده - وليس لأحد سواه - الدين الخالص من شوائب الشرك والرياء . والعبادة لوجهه وحده ، والخضوع لقدرته التي لا يعجزها شيء . ثم بين - سبحانه - ما عليه المشركون من ضلال فقال : * ( والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِه أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّه زُلْفى ، إِنَّ اللَّه يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ . . . ) * فالمراد بالموصول المشركون ، ومحله الرفع على الابتداء ، وخبره قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( إِنَّ اللَّه يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) * وجملة * ( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّه زُلْفى ) * في محل نصب على الحال بتقدير القول ، والاستثناء مفرغ من أعم العلل . والزلفى : اسم أقيم مقام المصدر الذي يتلاقى معه في المعنى ، والمأخوذ من قوله * ( لِيُقَرِّبُونا ) * . أي : للَّه - تعالى - وحده الدين الخالص ، والمشركون الذين اتخذوا معبودات باطلة ليعبدوها من دون اللَّه ، كانوا يقولون في الرد على من ينهاهم عن ذلك : إننا ما نعبد هذه المعبودات إلا من أجل أن نتوسل بها ، لكي تقربنا إلى اللَّه قربى ، ولتكون شفيعة لنا عنده حتى يرفع عنا البلاء والمحن . * ( إِنَّ اللَّه يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) * أي : بين هؤلاء المشركين وبين غيرهم من المؤمنين الذين أخلصوا للَّه - تعالى - العبادة والطاعة * ( فِي ما هُمْ فِيه يَخْتَلِفُونَ ) * من أمر التوحيد والشرك ، بأن يجازى المؤمنين بحسن الثواب ، ويجازى الكافرين بسوء العقاب . * ( إِنَّ اللَّه ) * - تعالى - * ( لا يَهْدِي ) * أي : لا يوفق للاهتداء للحق * ( مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ ) * .
--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 4 ص 448 .